هيا البحيصي وريما أبو عيدة.. عندما يخطف الاستهتار الطبي الحياة

Sep 01,2021
هيا البحيصي.jpg

في رحلة البحث عن الحياة بين زحام الأحلام والأمنيات، سارت "هيا البحيصي" في خطوات تشدها بعض ترانيم الأمومة لطفل صغير تُربيه، تُعلمه، تُلاعبه، تضع في حياته وحياتها تفاصيل منثورة من الحنين والإعداد لحامل اسمها واسم زوجها، ولا سبيل لذلك سوى "عملية التلقيح الصناعي"، لتتوجه مع ذويها إلى إحدى المستشفيات الخاصة المتخصصة في إجراء هذا النوع من العمليات في قطاع غزة باحثةً هناك عن الحياة، لكنها لم يكن في حسبانها أنّ هنالك ستُخطفُ منها الحياة.

خطأ طبي

في صبيحة يوم 11 يونيو 2021م، خيمت لحظات الصمت الغير مألوفة، على أهل مدينة دير البلح، وأخذ الخبر يتلجلج في صدور الناس، "تُوفيت هيا نتيجة خطأ طبي في إحدى المستشفيات الخاصة المعروفة جراء تدخلات جراحية عقب عملية سحب بويضات أجرتها داخل هذه المستشفى"، لتكون الصدمة ووقعها كفيلة بضرب التساؤلات، الاستفهامات، الاستنكارات، وضع ما شئت من علامات التعجب!.

ملامح المأساة

بيان البحيصي، إحدى قريبات هيا والتي كانت مرافقة لها طيلة فترة إجراء العملية، تتحدث بنبرات من الأسى وتروي الفاجعة قائلةً: "بعد خروج هيا من غرفة العمليات داخل المستشفى، كانت ملامح وجهها مرهقة وكان جسمها غير قادر على الحراك، ومع ملاحظتنا أن لون شفتها أخذ بالتغير إلى الإزرقاق وهي تواصل الأنين والتألم وتشتكي من ضيق النفس، ذهبت للطاقم الطبي المتواجد والذي كان عبارة عن طاقم ممرضات فقط، فأكد لي ذلك الطاقم أن الأمر طبيعي وأن هذه الأعراض جاءت من مضاعفات البنج والعملية فقط".

إزرقاق للشفاه وهزالة في الجسد لا تقوى فيها هيا من الوقوف على أقدامها، أليس العقل يخبر بضرورة تواجد طبيب مختص في أسرع وقت!، وهذا على أقل تقدير من المسؤولية التي لابد وأن تتحلى بها أي مستشفى.

وتكمل بيان حديثها: "مع اشتداد علامات الخطورة على هيا كنت ومن معي نتابع الخطى ونركض داخل أروقة المستشفى لنجد من يفيدنا ولم أجد سوى الممرضات فأخذت أرجوهن بتحويلها إلى مستشفى الشفاء الذي لا يبعد سوى بضعة دقائق، وعندما جاء الطبيب بعد ثلاث ساعات لمتابعة حالة هيا أكد أن حالتها طبيعية ووجه الممرضات لإعطاء هيا محلول الجلوكوز فقط".

الجهاز معطل!!

ومن ضمن مرافقات هيا كانت أختها "رغدة" خريجة التحاليل الطبية، حيث أفادت رغدة أنها من خلال معرفتها ببعض أساسيات التمريض والطب حيث طلبت من الممرضات وضع أكسجين لهيا لاسيما وأن أعراض نقص الأكسجين وضيق التنفس أخذت بالازدياد، ومع الإلحاح قامت الممرضات بقياس ضغط الدم حيث سجلت القراءة (30/58)، فتقول رغدة: "تجاهلت مجال دراستي وسألت الممرضة عن النتيجة ليكون ردها بأن الجهاز معطل".

نزيف داخلي

وأكّدت رغدة، على أنّ أعراض وجود نزيف داخلي لدى هيا كانت واضحة، ولكن مدير المستشفى تجاهل الأمر في محاولة مجردة من الإنسانية للتغطية على خطأ طبي ارتكب أثناء العملية، في استهتار ومهانة كانت كنصل سام غرس سمه في أصقاع حياة هيا.

ونحو المأساة أخذت تتدحرج الأهوال، حيث تم إجراء تحليل دم لهيا ليجد الطبيب أن نسبة دمها خمسة فقط، ويخرج لمرافقيها متسائلاً عن سبب انخفاض نسبة الدم، وعن هذا تقول رغدة: "يسألنا عن ذلك بدلاً من أنّ يُجيب هو!".

مستشفى الشفاء

وبالعودة إلى بيان التي أكملت حديثها عن مأساة أججها الاستهتار والاستهانة بحياة الناس فتقول: "حدث اضطراب ملحوظ في الغرفة ونحن خارجها ولا ندري ما إذا كانت هيا لا زالت على قيد الحياة أم لا، ومن ثم تقرر نقل هيا لمستشفى الشفاء، وهنا كان تجهيز الإسعاف ونقلها الذي كلَّف نصف ساعة إضافية، وما أن وصلنا قسم الاستقبال في مستشفى الشفاء حتى وجدنا طاقم طبي كامل في انتظار هيا، وأدخلوها إلى العمليات بعد أن أخبرنا طاقم مستشفى الشفاء أن الأمل بشفائها ضعيف".

تساؤلات وأمنيات

وعلى إثر دمعات ما لبثت أن انهمرت كسحابة شتاء عاصفة، أخذت بيان تضرب التساؤلات التي تتبعها أمنيات ضائعة، فتقول: "كيف لمستشفى كامل تُجرى فيه العمليات أن يغيب عنه الأطباء المختصون لفترات طويلة؟، ماذا لو سمعوا استغاثاتنا وجاء الطبيب مبكراً واعترف بخطئه؟، ماذا لو تم نقل هيا بسرعة إلى مستشفى الشفاء؟، ماذا لو فعلوا كل ذلك وبقيت هيا الآن معنا؟".

ضحية أخرى

ورغم صدور أمر من وزارة الصحة بإغلاق المستشفى المتسبب في المأساة، إلا أن هذا القرار لم يُنفذ ولا زال المركز يمارس نشاطاته ويبث إعلاناته التي اصطادت ضحية أخرى من ضحايا الاستهتار،  فهذه ريما أبو عيدة "25 عاماً"، التي ذهبت برفقة زوجها عنان "المتخصص في طب وجراحة الأسنان" إلى تلك المستشفى بعدما سمعا بتخفيضات كبيرة على إجراء عملية زراعة الأجنة، وخضعت ريما إلى نفس العملية التي خضعت لها هيا البحيصي، حيث تشابهت كثير من تفاصيل المأساة بين الحالتين.

وأكّد الدكتور عنان، على أنّ زوجته ريما دخلت العملية دون إجراء فحوصات طبية متعارف عليها، وكذلك بعد تدهور الحالة الصحية لريما حضر مدير المركز وقال إنّ حالتها تحتاج للمكوث في المستشفى مقابل 300 شيكل لكل ليلة.

الفشل الكلوي

وبعد أن كانت ريما بكامل صحتها تحلم مع زوجها بطفل صغير يملأ عليهما البيت، أخذت حالتها تتدهور شيئاً فشيئاً حتى أصبح لديها العديد من المضاعفات الخطيرة أهمها الفشل الكلوي، مما جعل الحاجة ماسة لانتقالها لاستكمال العلاج في مستشفى بالخليل، ومن ثم عادت إلى غزة لتجد نفسها حبيسة جلسات الغسيل الكلوي.

طائر الفينيق

انتقلت هيا لجوار ربها بعدما عصف خريف المأساة بربيعها الحالم، ولا تزال ريما تصارع الألم بعدما كانت بكامل صحتها، ولا يزال الاستهتار يخنق حقوق المرأة التي كفلتها كثير من المواثيق الدولية والأممية، فهذه المادة 12 من ميثاق التوصية العامة في الأمم المتحدة في الدورة العشرين عام 1999م والذي ينص على "حق المرأة في تلقي العلاج المناسب بما يحافظ على حياتها ضمن إجراءات السلامة التامة، وفي حال ثبت وجود خطأ طبي فيتم محاكمة المسؤول عنه بموجب القانون دون النظر إلى أي تبعات أخرى"، فقد ماتت هيا واجتاح الفشل الكلوي جسد ريما ولكن يقظة الفكر الإنساني المتجذر في أصالة هذا الشعب المعطاء سيرفع لواء المطالبة بالحق ويخرج من تحت ركام الخذلان كطائر الفينيق مُعلناً أن "الاستهتار بحياة نسائنا لن يقابله إلا الحزم ومعاقبة المتخاذل بكل إصرار".

محمد طارق